الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

191

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أَنْزَلَ اللَّهُ في سورة العقود [ 49 ] ، وهو هنا أوعب . والإقامة : جعل الشيء قائما . وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر . واللام للعلة ، أي لأجل الدين ، فيصير المعنى : محّض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكا في توجهك . وهذه التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره اللّه به من التبليغ وإرشاد الأمة وإصلاحها . وقريب منه قوله : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ في سورة آل عمران [ 20 ] . و حَنِيفاً حال من لِلدِّينِ وهو دين التوحيد ، لأنه حنف أي مال عن الآلهة وتمحض للّه . وقد تقدم عند قوله تعالى : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في سورة البقرة [ 135 ] . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نهي مؤكد لمعنى الأمر الذي قبله تصريحا بمعنى حَنِيفاً . وتأكيد الفعل المنهي عنه بنون التوكيد للمبالغة في النهي عنه اعتناء بالتبرّؤ من الشرك . وقد تقدم غير مرة أن قوله : مِنَ الْمُشْرِكِينَ ونحوه أبلغ في الاتصاف من نحو : لا تكن مشركا ، لما فيه من التبرؤ من الطائفة ذات نحلة الإشراك . [ 106 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 106 ] وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) عطف على وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ يونس : 105 ] . ولم يؤكد الفعل بنون التوكيد ؛ لئلا يمنع وجودها من حذف حرف العلة بأن حذفه تخفيف وفصاحة ، ولأن النهي لما اقترن بما يومئ إلى التعليل كان فيه غنية عن تأكيده لأن الموصول في قوله : ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ يومئ إلى وجه النهي عن دعائك ، إذ دعاء أمثالها لا يقصده العاقل . و مِنْ دُونِ اللَّهِ اعتراض بين فعل تَدْعُ ومفعوله ، وهو إدماج للحث على دعائه اللّه . وتفريع فَإِنْ فَعَلْتَ على النهيين للإشارة إلى أنه لا معذرة لمن يأتي ما نهي عنه بعد أن أكد نهيه وبينت علته ، فمن فعله فقد ظلم نفسه واعتدى على حق ربه .